لهفتُنا للحب
ليس كل من يدخل علاقة يبحث عن الحب، أحيانًا يكون ما يبحث عنه أعمق غرابةً وأخفّ صدقًا: يبحث عن “شكل الحب” لا الحب نفسه، عن الصورة التي تُعرض، لا التجربة التي تُعاش.
هناك جيل كامل بدأ يتعامل مع المشاعر كما لو أنها محتوى جاهز للاستهلاك؛ بداية جميلة، موسيقى مناسبة، صور متناسقة، ثم ذروة درامية، ثم انهيار محسوب على إيقاع أغنية حزينة. كأن العلاقة مشروع فني يُفترض أن يمر بكل “المراحل الصحيحة” ليكون مقبولًا، لا تجربة إنسانية قد تكون بسيطة، هادئة، ومملّة بمعايير الدراما، لكنها صادقة بمعايير الحياة.
أول ما يلفت في هذا النمط هو هوس الفكرة نفسها: فكرة الحب.
كثيرون لا يحبون الشخص الذي أمامهم بقدر ما يحبون الدور الذي يمنحهم إياه. دور العاشق، دور المتعلق، دور الذي “يحترق شوقًا”، دور البطل في قصة قيس وليلى الحديثة. المشكلة ليست في الحب ذاته، بل في تحويله إلى مسرح داخلي، حيث يكون الشريك مجرد ممثل مساعد في سيناريو مكتوب مسبقًا داخل الخيال.
هنا يتحول الحب من علاقة إلى “تجربة شعورية” مطلوبة بذاتها؛ المهم أن أشعر، لا أن أفهم. المهم أن أبكي، لا أن أبني. المهم أن أعيش القصة، لا أن أعيش الإنسان.
ثم تأتي طبقة أخرى أهدأ لكنها أعمق: الحاجة إلى الانتماء.
بعض العلاقات لا تُولد من إعجاب، بل من فراغ اجتماعي. من ذلك الإحساس الخفي بأن الجميع “موجودون داخل شيء” وأنت خارجه. فيدخل الشخص العلاقة كأنه يدخل مجموعة، لا كأنه يدخل قلبًا. يصبح الهدف أن يقول: “أنا أيضًا لدي قصة”، لا أن يقول: “أنا أفهم هذا الإنسان”.
في هذه الحالة، الحب يتحول إلى بطاقة تعريف اجتماعية. إلى إثبات وجود. إلى رد غير مباشر على سؤال: أين أنت من هذا العالم؟
فيجيب: “أنا في علاقة”، حتى لو لم يكن حاضرًا فيها أصلًا.
ثم يظهر التعلق الاندفاعي، أو ما يمكن تسميته بالحب الذي يعيش على الموجة الأولى فقط.
في البداية كل شيء يبدو مكثفًا: الاهتمام، الرسائل، الضحك، التعلق السريع. لكن هذا ليس حبًا ناضجًا بقدر ما هو اندفاع عصبي عاطفي، أشبه بارتفاع مفاجئ في الشعور يعطي وهمًا بالاكتمال. المشكلة تبدأ عندما تهدأ هذه الموجة، لأن الهدوء يُفهم خطأً على أنه فتور، والاستقرار يُفسَّر على أنه ملل، والبساطة تُرى كأنها نقص.
فيهرب الشخص لا من العلاقة، بل من غياب الدراما داخلها. لأنه تعوّد أن الحب يجب أن يكون مرتفع الصوت، متقلبًا، مؤلمًا قليلًا، مليئًا بالإشارات القوية التي تؤكد له أنه “يعيش شيئًا حقيقيًا”.
وهكذا تتشكل دائرة غريبة:
يبحث عن الحب… لكنه لا يحتمل شكله الحقيقي.
يريد علاقة… لكنه لا يطيق استقرارها.
يريد إنسانًا… لكنه يتعامل مع فكرة.
وفي لحظة الانكسار، عندما تنتهي العلاقة، لا ينتهي الحب بقدر ما يبدأ “تمثيل الفقد”. تمتلئ المنصات بالستوريهات، بالأغاني، بالاقتباسات، وكأن الألم نفسه صار محتوى يجب تقديمه للآخرين. ليس بالضرورة أن يكون الحزن غير حقيقي، لكن أحيانًا يُضخَّم ليطابق الصورة التي كان يتخيلها عن نفسه: العاشق المكسور الجميل، لا الإنسان الذي يمر بتجربة انتهت ببساطة.
ومن هنا يظهر التحول الأكثر تناقضًا:
بعد كل هذا الانفعال، قد يعود الشخص نفسه ليصبح أكثر برودًا، أو أكثر لعبًا بالعلاقات، أو أكثر تسطيحًا لها. وكأنه يقول ضمنيًا: “أنا تألمت بما يكفي لأبرر طريقة جديدة في التعامل”.
لكن السؤال الذي يبقى عالقًا في الخلفية:
هل كان الألم نتيجة حب حقيقي… أم نتيجة صورة متخيلة عن الحب؟
في النهاية، ليست المشكلة في الحب نفسه، ولا في من يتألمون بسببه، بل في تحويله إلى فكرة جاهزة، قالب يجب أن نعيش داخله، بدل أن يكون علاقة بين شخصين حقيقيين، بكل ما فيها من هدوء، وتكرار، وملل أحيانًا، وصدق في أحيان أخرى.
لأن الحب الحقيقي، في أبسط صوره، لا يحتاج أن يكون قصة عظيمة…
يكفي أن يكون حقيقيًا فقط.


أغلب العلاقات الحالية اشوفها عبثًا عاطفيًا وتمضيةً للوقت، وفكرة الحب الكامل خلف الشاشات تبدو لي بعيدة عن جوهر الحب الحقيقي .
أنا لا أؤمن بوجود الحب