عقدة المثقف
بدأت هذه الظاهرة تنتشر مؤخرًا بشكلٍ لافت، حيث أخذت منصات التواصل الاجتماعي تروّج لصورة نمطية تختزل المثقف في كتابٍ يحمله وفنجان قهوةٍ سوداء بجانبه.
لكن الطامة الكبرى ليست في هذه الصورة بحد ذاتها، بل في تحوّلها إلى موضة يسعى الجميع إلى تقليدها، لا من الناحية المعرفية، بل من الناحية الشكلية. فأصبح كثيرون يشترون الكتب وأجود أنواع القهوة من أجل صورة تُنشر، لا من أجل معرفة تُكتسب.
في البداية بدا الأمر وكأنه موجة عابرة ستنتهي كما انتهت غيرها، لكنه تطور إلى ما هو أخطر من ذلك؛ إذ بات المثقف العربي يُلام لأنه يقرأ كتبًا عربية، ويُقال له إن العرب ليسوا بأذكياء، وإن الغرب وحده يمتلك المعرفة والوعي والتفوق. وكأن الثقافة تحولت إلى ساحة منافسة بين الشرق والغرب، لا إلى رحلة بحث عن الحقيقة.
ليست المسألة معركة وعي أو صراع ثقافات، بل إن البعض يصورها كذلك، حتى أصبح الانتصار فيها محسومًا سلفًا لصالح الغرب، لا لشيء إلا من أجل التقليل من قيمة العرب ومنجزهم الفكري. ومن هنا تتولد أمراض فكرية عديدة، كعقدة الأجنبي، والانبطاح للغرب، واحتقار الذات الثقافية.
إلى كل من يظن أن فنجان القهوة المغموس بالسكر هو سر العمق والحزن النبيل، وإلى من يتصنع المرارة ويرتشفها كأنها منفى:
أنت لا تحب القهوة، بل تقلد صورة رأيتها في حساب شاعر أوروبي، وتظن أن الكآبة أسلوب، وأن التجهم ثقافة.
تراه جالسًا في زاوية هادئة، يحمل كتابًا مهترئ الحواف، ويقول لك بيقين زائف: "هذا أعظم ما كُتب"، ولو علم الكاتب نفسه بذلك لتعجب من هذا الادعاء.
ينتقد الأدب العربي وكأنه أحاط به علمًا، ويزدري تراثًا أدبيًا عظيمًا، ثم يقول: "أحب الغموض، أحب أن أضيع بين السطور"، لكنه في الحقيقة لا يقرأ، بل يحب أن يُرى قارئًا.
هو لا يفهم الشعر، ولا يهمه الحرف، وإنما يرتدي الغلاف كما يرتدي الإكسسوار، ويحمل الكتاب كما تُحمل الزينة، وينسى أن العمق لا يُلبس، بل يُحس.
أيها المتغرّب من الداخل، اعلم أن الحبر لا يجيد التنكر، وأن الهوية ليست فنجان قهوة، ولا كتابًا بلغة لا تفهمها.
العمق ليس تجهّمًا مصطنعًا، ولا اقتباسًا أجوف، ولا صورةً معدّة بعناية لتنال الإعجاب.
العمق أن تقرأ ما تفهم، وأن تفهم ما تقرأ، ولو كان ذلك بيتًا واحدًا لشاعر عربي نسيه الناس، لكنه لم ينسَ الصدق في حرفه
لا احاول ان اشير الى الغرب بانهم اغبياء او اقل منا بل الفكرة في ان العرب يمجدنوهم اكثر كما لو انهم “الوعد بالجنة”
لدى الغرب ما يقال وليسوا بمشكلة، لكن تقليد الأعمى لدى العرب هو المعضلة


صدقت..